صديق الحسيني القنوجي البخاري
37
فتح البيان في مقاصد القرآن
الكفار ، وقال الثوري : هم المسلمون . ألا ترى أنه قال ولا الذين يموتون وهم كفار . حَتَّى حرف ابتداء ، وجملة إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ غاية لما قبلها ، وهذا وجه حسن وحضور الموت حضور علاماته وبلوغ المريض إلى حالة السياق ومصيره مغلوبا على نفسه مشغولا بخروجها من بدنه ، وهو وقت الغرغرة المذكورة في الحديث السابق وهي بلوغ روحه حلقومه ، قاله الهروي . قالَ عند مشاهدة ما هو فيه إِنِّي تُبْتُ الْآنَ أي وقت حضور الموت حين لا يقبل من كافر إيمان ولا من عاص توبة ، قال تعالى : فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا [ غافر : 85 ] قيل قرب الموت لا يمنع من قبول التوبة بل المانع من قبولها مشاهدة الأحوال التي لا يمكن معها الرجوع إلى الدنيا بحال ، ولذلك لم تقبل توبة فرعون ولا إيمانه حين أدركه الغرق . وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ إذا تابوا في الآخرة عند معاينة العذاب ، قال أبو العالية هذه لأهل الشرك وروى عن الربيع مثله مع أنه لا توبة لهم رأسا ، وإنما ذكروا مبالغة في بيان عدم قبول توبة من حضرهم الموت ، وإن وجودها كعدمها أي ليست التوبة لهؤلاء ولا لهؤلاء أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ أي أحضرنا وهيأنا لهم وأعددنا عَذاباً أَلِيماً مؤلما . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 19 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً ( 19 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أيها الأولياء أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ أي ذاتهن كَرْهاً بالفتح والضم لغتان أي مكرهين على ذلك ، هذا متصل بما تقدم من ذكر الزوجات ، والمقصود نفي الظلم عنهن ، ومعنى الآية يتضح بمعرفة سبب نزولها وهو ما أخرجه البخاري وغيره عن ابن عباس قال كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته إن شاء بعضهم تزوجها وإن شاؤوا زوجوها وإن شاؤوا لم يزوجوها ، فهم أحق بها من أهلها فنزلت « 1 » . وفي لفظ لأبي داود عنه في هذه الآية كان الرجل يرث امرأة ذي قرابته فيعضلها حتى تموت أو ترد إليه صداقها ، وفي لفظ لابن جرير وابن أبي حاتم عنه فإن كانت جميلة تزوجها ، وإن كانت دميمة حبسها حتى تموت فيرثها . وقد روي هذا السبب بألفاظ فمعناها لا يحل لكم أن تأخذوهن بطريق الإرث فتزعمون أنكم أحق بهن من غيركم وتحبسوهن لأنفسكم .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 4 ، باب 6 ، والإكراه باب 5 ، وأبو داود في النكاح باب 22 .